غيداء نجار - النجاح الإخباري - قصص وحكايات تذهل مستمعيها وتأخذهم إلى الخيال الواسع والأحداث التاريخية، فيرسم الحاضرون صورا قد لا تشبه ما يقال كثيرا، ولكنهم يبنون ما يسمعونه على شكل شريط لن يغادر أثره الذاكرة، فيمتد ذلك الأثر على طباعهم وتصرفاتهم، وعندما كنا صغارا كانت الأم وغالبا الجدة تروي لنا الحكايات والقصص الخيالية لكي نخلد إلى النوم أو لنقتل الملل، وما زالت حتى الآن عالقة في أذهاننا.
الحكي، أو الحكواتي، أو الحكاء، أو الحكايا، تتعد الكلمات والمصطلحات والمعنى واحد، إذ يعد مشهدا مألوفا في التراث الشعبي، ومن أجمل مشاهد الحياة الشعبية التي تجمل مجالس الناس في المدن والأرياف في فلسطين وبلاد الشام ومصر، وقد كان الحكواتي جليس أمسيات الناس، يسرد الملاحم الشعبية مثل سيرة عنترة والزير سالم وأبو زيد الهلالي والظاهر بيبرس وحمزة البهلوان وغيرها من الحكايات الواقعية.
فيما كانت الحكايات الخرافية الشعبية تروى في مجالس النساء وتتولى الجدة أو إحدى النساء سردها لنساء العائلة والأطفال، فتصبح متوارثة من جيل إلى آخر.
ولو تمعنا في هذا الموضوع لوجدنا – وحسب ما أشار إليه بعض الحكائين- أن "الحكي" فن أدائي يقدم مجموعة من الهواة والعاشيقين للتراث أو الحريصين على هذا الإرث الشعبي العريق.
وفي حديثنا مع الحكواتي حمزة العقرباوي من بلدة عقربا جنوب شرق نابلس يقول إنه بدأ مشواره كحواتي في 2015 بعد مشاركته في مجاورة الحكواتيين العرب، وكان قبلها قد بدأ بجمع وتدوين الحكايات الشعبية والروايات الشفوية منذ 2006، وهو الآن متفرغ للعمل في حقل التراث الشعبي جمعا وتوثيقا وكتابة وسردا.
وفي سؤالنا له عن مصدر ما يقدمه من القصص والحكايات يقول "نحن نسرد الحكايات المأخوذة من تراث الناس وما حفظوه ونقلوه جيلا عن جيل، إضافة إلى ما نسجله وما نجده موثقا في المراجع والكتب، وسبق وأن نظمت مجموعة حكايات من خلال جولة على كبار السن، وسجلت حكايات شعبية منهم".
جمهور متنوع
الكثير من الكبار والشباب والصغار تجذبه الحكايات، فالكبار يتذكرون أياما كانوا يفخرون بها، وتأخذهم الذاكرة إلى ذلك الوقت الذي كانوا فيه صغارا يسمعون هذه القصص، أو عندما كانوا شبابا يرتادون الدواوين والقهوة ليستمعون للحكواتي، أما الصغار فيعتادون بهذه القصص على توسيع مدارك الخيال لديهم وتنمي حرصهم في الحفاظ على التراث الفلسطيني.
ويعقب العقرباوي على الفئة المستهدفة: "جمهورنا متعدد ومتنوع ونحن ننظم فعاليات للعائلات وللكبار وللأطفال ولرواد المقاهي وفي المنتزهات والحدائق العامة، وإن جمهوري الأساسي هم من جيل الشباب ذكورا وإناثا، وخلال 3 سنوات استطعنا "كفريق حكايا" أن نخلق جمهورا واسعا مهتما بالحكايا وملاحقا لها، وحاليا ننظم مهرجانات ونشارك في كل الأمسيات والفعاليات الثقافية في البلد".
"فريق حكايا" هو مجموعة من الحكواتيين المحترفين الذين يتبعون للملتقى التربوي العربي، وهم جزء من شبكة حكايا في الوطن العربي، والذي يحاول أعضاؤه دائما تطوير أدائهم وتقديم شيء جديد للجمهور، وبدورهم أعادوا خلال هذا العام تقديم سيرة الملك الظاهر بيبرس، وهي واحدة من السير الشعبية التي توقفت روايتها بعد العام 67.
وفي حديثه عن الإنجازات التي حققها منذ التفاته للحكايا والقصص "أنا حققت الكثير من الإنجازات والمشاركات والتي منها: مهرجان حكايا الأرض والماء، أسبوع السيرة، الاستعداد لتقديم سلسلة عروض من حكايات وروايات النساء، وقد سبق لي وأن شاركت في مهرجانات وفعاليات "حكي" كثيرة مثل: مهرجان حكايا التاسع في الأردن، مهرجان أيام قرطاج السينمائية في تونس، أسبوع القراءة الوطني 2015 -2016، ومهرجان نوار نيسان، والآن أستعد للمشاركة في مهرجان الحكايا العاشر في الأردن، وكذلك مجاورة الحكواتيين العرب للمرة الثالثة والتي تجمع مجموعة من أمهر الحكواتيين العرب من كل الوطن العربي".
الحكواتية
الحكواتي ليس شرطا أن يكون ذكرا، فهناك (الحكواتية/الحكاءة) التي يمكن لها أن توصل القصص لجمهورها، ويختلف تأثيرها عن غيرها بالطريقة والأسلوب والصفات الخاصة، حيث لكل حكاءة أسلوبا ومهارات تختلف فيها عن غيرها، وقد يأتي هذا تبعا للتخصص العلمي أو الهوايات أو العمل أو الإمكانات وغيرها من المؤثرات.
وتعليقا على ذلك ترى الحكواتية لما رباح (22 عاما) أن الحكواتي عليه أن يكون شخصاً مطّلعاً، وحساساً لما يجري حوله، ملتقطا القصة الحقيقية وتلك التي أحداثها شيّقة، والتي تؤدي معنى جميل دون أن يقع في خطأ الموعظة، وتؤكد على أهمية أن يكون لديه مهارات الحكي من ناحية الأداء، كمخارج الحروف السليمة، والكاريزما، والوقوف أمام الجمهور بثقة.
وبالنسبة لمصادرها وجمهورها تقول رباح "أنا ما زلت أستكشف هويتي كحكاءة، كل القصص التي أرتاح لروايتها هي القصص الحقيقية التي جمعتها من محيطي، قصص عن جدي ومن قرية جدتي، وأقرأ الكثير من القصص الشعبية حول العالم لأفهم بنية الحكاية الشعبية الجيدة، وأيضاً لأجد المفاهيم المشتركة بينها جميعها والاختلاف بينها، وحتى الآن لم أرو القصص إلا في عروض للكبار، ولكن سجلت العديد من القصص (إذاعياً) للأطفال فقط".
"خوفًا من ضياع حياتنا"
رباح التي تعمل كباحثة في الإعلام التربوي في مؤسسة عبد المحسن القطّان، والعضو في فريق إذاعة "دونتردد" المستقلة التي تبث حلقات ساخرة على الانترنت وتؤديها في عروض مباشرة، تعمل في مجاليْ الدبلجة والدراما الإذاعيّة منذ 7 سنوات، وهي عضو في فريق حكايا/الملتقى التربويّ العربيّ منذ عامين، وأدت في عرضين مباشرين، إضافةً إلى المشاركة في مجاورة الحكائين العرب 2016، وفي عدة ورش عمل في مجال الحكايا على مدار العامين الماضيين.
وحول سبب ميولها إلى هذا الفن تقول "هدفي الرئيسي هو التأكيد على أهمية قصصنا اليومية، وروايتنا حول الأمور، خوفاً من ضياع حياتنا في زحام الأحداث السياسية الكبيرة. أن تحكي قصتك بنفسك، يعني ألّا يفرضها عليك أحد".
وتتابع "التقدّم في الحكي، بما يتضمنه ذلك من قراءات واطلاع على التراث العالمي وجمع الحكايات، والتدرّب يحتاج وقتاً كبيراً، بالطبع ليس من السهل المتابعة مع التزامات الحياة والعمل، وبالمقابل، من الصعب عليّ التفرّغ للحكي من ناحية اقتصاديّة، ولكن أنا محظوظة بأنّ جميع اهتماماتي، وعملي اليومي تتمحور حول الحكايات والثقافة والكتابة، فأحاول قدر الإمكان تطوير نفسي كحكاءة أيضاً عبر عملي".
الحكايات الشعبية الفلسطينية التي بحاجة ملحة إلى إبرازها وإظهارها للأجيال القادمة من أجل الحفاظ عليها وعلى الإرث الفلسطينية، وخاصة في ظل التطور التكنولوجي واختلاف اهتمامات الجيل الحالي وما يتعرض له من ضغوطات وتباين الثقافات الدخيلة والإنترنت وغيرها من الأمور الضاغطة.


