وكالات - حسن البطل - النجاح الإخباري -
يحلُو لغسّان أن يشرب قهوة الصباح على إيقاع تغريد العصافير وزقزقاتها. ربما لهذه الهواية رقّ شِعره أكثر فأكثر، منذ اكترى له شقة في عمارة بيرزيت.
لكن، ما يحلو لغسّان في مزاجه العصفوري يحلُو على نحوٍ آخر لأولاد جاره، الذي اكترى له بيتاً مقابلاً. فلهؤلاء الأولاد هواية «نَقْف» العصافير بالحجارة.
يستطيع أولاد مُشاكسون أن يسبّبوا بوادر وقيعة بين جارين.. وزميلين؛ شاعِرَين وعائِدَين.
بلابل، هداهد، حساسين، شحارير، وكركزان.. وفسافس، وقبّرات المكان، صارت كأنها «حوزة» لمزاج غسّان زقطان الصباحي. فإذا جاء إلى الجريدة مكفهِرّ الوجه، فخرجت الصفحة الثقافية في «الأيّام» غير «مُزقزقة»، فهذا يعني أن «أولاد الجار» فركوا عيونهم صباحاً، وباشروا «نزع» صباح غسّان العصافيري.
بالأمس، أفزعتُ غسّان بخبر مُلفّق مُحكَم التدبير، فزعمت أن زميلنا سليم بركات أهدانا من قبرص بُندقية رشقٍ وخردق، مُزودّة بتنشين يُصيب ولا يُخطئ، وأنني أعتزم إهداءها إلى أولاد جيران غسّان.
ومعروف عن سليم بركات، الكردي الفلسطيني، أنه آثر أن يبقى في منفاه القبرصي، مُنكباًّ على تعاطي الشعر والقصة.. وصيد العصافير، خصوصاً النادرة منها، ثم يلصق أجمل ريشة لأي عصفور على لوحةٍ صارت فائقة الغَرابة.
لكن سليم لا يصيد الطائر ذاته مرّتين. ويكاد وَلَعه العصافيري أن يكون في خدمة «حافزيّته» الروائية، حيث يسهل على قارئ رواياته وشعره أن يجد مفردات الصيد، بل وضع «الرّيش» عنواناً لأحد كتبه الميتافيزيقية - الغرائبية.
شخصياً، توقّفت منذ أربعين سنة عن «نَقْف» أي عصفور كان، كما لم أكن صيّاداً بارعاً في كلّ حال. كان وَلَعِي أن «أحكش» أوكار الزنابير والدبابير والنحل البري.. وفي يدي الأخرى شعلة من نار!
هذه الهواية «الشرّيرة» كادت أن تقودني إلى حتفي ولَمْ أبلغ الثانية عشرة من عمري.. عندما تراجعت أمام هجوم مضاد لزنابير سوداء، دون أن أعِي أن للسقف نهاية، فوجدت نفسي أسقط من عُلوّ ستة أمتار. عرجتُ شهوراً، وتكسّرَت إحدى أضراسي واهترأت لاحقاً. واحتفظت من السقطة بندبة أسفل ذقني، أخفيها بـ «سكسوكة».
لاحقاً، صارت هواية الصيد عندي مطاردة «الحيايا» بعد تثبيتها بعصا خاصّة، ثم الإمساك بذيلها.. وتطويحها في الفضاء.. فكاد يلسعني «حَنَش أسود» لسعة الموت، فتوقّفت.
قبل ذلك، تركّزت هواية الصيد على «نَقْفِ» السحالي والحراذين.. فكنت آتيها. ولا يظهر منها غير رأسها.. فإذا بها «تطير» في الفضاء بعد «نَقْفَةٍ» صاعقة. بعض الأولاد كان لديهم اعتقاد غريب، مفاده: إذا سكبت دم «حرذون» على يديك، فقد تتكسّر عصاة مُعلِّم الصف عليها، دون أن تطفر من عينيك دمعة ألم واحدة، أو صرخة تأوُّه.
أمّا ابني الصغير الذي جاء من لندن وحده، وبرعاية المُضيفة إلى عمّان فرام الله، فلم «يَدبِك» في الثامنة بعد، لكن حقيبته ملأى بقصصٍ مُلوّنة عن الديناصورات الغابرة.. ويكاد يُجنّ فرحاً عندما يلحظ «سحلية» أو «حرذوناً» بين الأحجار، فيطاردها ضاحكاً فوق «السناسل».. وأنا أخاف عليه من لسعةِ أفعى أو عقصةِ عقرب.
على أفاريز البيت وضعت حفناتٍ من حبوب «الفريكة».. وفي الصباح، أوقظُ الصبيّ «ليتلصلص» عليها وهي تَنْقُر الحَبّ، وما أن يطلق ضحكة مُجلجلة.. حتى تفرّ العصافير فزعاً.
أمّا عصافير غسّان في بيرزيت، فقد تفرّ فزعاً من «نَقْفَات» أولاد جارِه، فيتعكّر صباحه، بل ويتكدّر مِزَاجه طيلة اليوم، غير آبهٍ بـ»الاصطفاء الطبيعي»، وزاعماً أن في ألعاب «الأتاري» و»الفيديو» ما يكفي الأولاد لتلبية غريزة الصيد الدفينة.
وبين شاعر صديق وأولاد شاعر صديق، رقيق مثله، تستمرّ حكاية صباح العصافير. لكن غسّان نَهاني عن إهدائهم «البُندقية» وهو لا يدري أنها «قصّة مِزاح».. وأن على سليم بركات الاكتفاء بعصافير «أيوس زيميتوس» في نيقوسيا، بجزيرة قبرص.

حسن البطل
24-7-1997